الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

247

تفسير روح البيان

فان العنيد قبل الحاجة اليه أرد لشغب الخصم الألد وقبل الرمي يراش السهم وهو مثل يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ما استفهامية انكارية مرفوعة المحل على الابتداء ووليهم خبره والجملة في موضع النصب بالقول يقال تولى عن ذلك اى انصرف وولى غيره اى صرفه والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإنسان من الاستقبال فنقلت في عرف الشرع إلى الجهة التي يستقبلها الإنسان للصلاة وهي من المقابلة وسميت قبلة لان المصلى يقابلها والمعنى أي شئ صرفهم وحولهم عن قبلتهم التي كانوا على التوجه إليها وهي بيت المقدس ولم انصرفوا منها إلى الكعبة - روى - ان النبي عليه السلام صلى إلى نحو بيت المقدس بعد مقدمه المدينة نحوا من سبعة عشر شهرا تأليفا لقلوب اليهود ثم صارت الكعبة قبلة المسلمين إلى نفخ الصور قُلْ كأنه قيل فماذا أقول عند ذلك فقيل قل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى الأمكنة كلها والنواحي بأسرها للّه تعالى ملكا وتصرفا فلا يستحق شئ منها لذاته ان يكون قبلة حتى يمتنع إقامة غيره مقامه والشيء من الجهات انما يصير قبلة بمجرد ان اللّه تعالى امر بالتوجه إليها فله ان يأمر في كل وقت بالتوجه إلى جهة من تلك الجهات على حسب ألوهيته واستيلائه ونفاذ قدرته ومشيئته فإنه لا يسأل عما يفعل بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فاللائق بالمخلوق ان يطيع خالقه ويأتمر بأمره من غير أن يتحرى خصوصية في المأمور به زائدة على مجرد كونه مأمورا به فان الطاعة له ليس الا بارتسام امره اى امتثاله لا بتحرى العلل والأغراض الداعية له تعالى إلى الأمر لان احكام اللّه تعالى وأفعاله ليست معللة بالدواعي والأغراض واليهود انما استقبلوا جهة المغرب واتخذوها قبلة اتباعا لهوى أنفسهم حيث زعموا ان موسى عليه السلام كان في جانب المغرب فأكرمه اللّه تعالى بوحيه وكلامه كما قال اللّه تعالى وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ والنصارى أيضا اتخذوا جهة المشرق قبلة اتباعا لهواهم حيث زعموا ان مريم عليها السلام حين خرجت من بلدها مالت إلى جانب الشرق كما قال اللّه تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا والمؤمنون استقبلوا الكعبة طاعة للّه تعالى وامتثالا لامره لا ترجيحا لبعض الجهات المتساوية بمجرد رأيهم واجتهادهم مع أنها قبلة خليل اللّه تعالى ومولد حبيبه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو التوجه إلى بيت المقدس تارة والكعبة أخرى ووجه استقامته كونه مشتملا على الحكمة والمصلحة موافقا لهما * قال بعض أرباب الحقيقة سمى الطاعنين من اليهود والمشركين والمنافقين سفهاء لاحتجاب عقولهم عن حقية دين الإسلام ولو أدركوا الحق مطلقا لاخلصوه كما أخلص المؤمنون فلم تبق محاجتهم معهم ولو كانت عقولهم رزينة لاستدلت بالآيات وأنكروا التحويل لأنهم كانوا معتدين بالجهة فلم يعرفوا التوحيد الوافي بالجهات كلها : قال المولى الجامي جهان مرآت حسن شاهد ماست * فشاهد وجهه في كل ذرات وَكَذلِكَ إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة اى كما جعلناكم مهتدين إلى الصراط المستقيم جَعَلْناكُمْ توحيد الخطاب في كذلك مع القصد إلى المؤمنين لما ان المراد مجرد الفرق بين